نحن أمة مسرعة في كل شيء ، في السياقة وفي الحب..في الانسياق مع بعضنا البعض حتى دون أن نمنح أنفسنا فسحة للتعارف والتقارب ..في إنزال الأحكام القاتلة بيننا ..في الصداقة وفي الخصومة ..في تقرير مصير ما دون أن نأخذ وقتا كافيا للتفكير والتدبرفي النتائج ..في الزواج الذي يعتبر أهم حدث في حياة المرء وفي الطلاق ..في تفريخ أحزاب جديدة وفي الترحال لأحزاب أخرى..في إصدار جرائد ومجلات بسرعة فائقة مما يفقدها الجدية وفي وأدها ..في أشياء أخرى لا يمكن حصرها ..لكننا ثقيلين في تأدية الواجب والإيفاء بالالتزامات التي تعهدنا بأدائها في وقت محدد ما وفي أداء الفواتير والديون ، ولو لم يقابل عدم أداء هذين الأخيرين بالزجر ، لوجدت غالبية المغاربة واقفين أمام المحاكم يصرخون بلافتات في أياديهم مكتوب عليها
"لازربا على أداء" ..
ولعل المليارات التي تهدر كل سنة بسبب عدم إيفاء الكثير من المسئولين بالتزاماتهم في وقتها المناسب أو الغش في أداءها خير دليل على ما أقول ، خصوصا مع غياب المراقبة الصارمة والحكامة الجيدة والشفافة.
فالسرعة الفائقة من العادات العجيبة التي تميزنا كشعب في كل شيء عدا ما ذكرت، وإلا كيف نفسر مثلا النسب المخيفة التي تسجل في طرقنا من حوادث السير المميتة بحيث تصدرنا المرتبة المتقدمة على الصعيد العالمي..ولم تستثن السرعة عندنا الأكل ..بحيث لا تقل هذه السرعة خطورة عن السرعة في الطرقات ..علما أن الكثيرين منا لا ينتبه إليها ولو أجريت مباريات في سرعة الأكل لتربعنا على عرش المراتب الأولى دون منازع..لذلك تجد غالبية المغاربة يعانون من ألم "بومزوي" أي القولون العصبي الذي عادة ما يصيب الأشخاص الذين يتناولون وجباتهم بسرعة فائقة وبعصبية في المضغ وكذلك من قرحة المعدة ..
نتناول طعامنا بسرعة جنونية لأننا نعيش في عجلة من أمرنا ..ليس من أجل ربح الوقت أو إنجاز قدر أكبر من العمل ولكن لأننا اكتسبنا في غالبيتنا هذه العادة السيئة والمضرة بالصحة منذ الصغر وعلى طاولة الأكل العائلية.
ومن المفارقات العجيبة أن الإدارة هي الأخرى تكرس هذه العادة السيئة وذلك بتحديد الوقت المخصص للأكل بالنسبة للموظفين في 30 دقيقة ..فكم من كاتبة لا يمكنها ترك مكتبها تضطر إلى الإجابة على المكالمات واستقبال الوافدين وفمها مليء بالخبز ، بل لاحظت كثيرا أن بعض الكاتبات يدخلن في مشاذات كلامية مع المواطنين المزعجين الذين يريدون قضاء حوائجهم وهم في عجلة من أمرهم دون أن ينتظروا الموظفة حتى الانتهاء من الأكل والذي عادة ما يتم في المكان الذي تجلس فيه وفوق مكتبها لانعدام مكان مخصص لذلك ..
حين فكر المسؤلون في فرض التوقيت المستمر ، أغرتهم إيجابياته المتمثلة بالخصوص في مواكبة توقيت الدول الأخرى و الاقتصاد في الطاقة والتخفيف من الزحمة وما يرافقها من تلوث طيلة النهار لكنهم أهملوا وضع الموظف المغربي الذي اعتاد منذ نشأته على أخذ وجبة الغذاء كاملة وسط النهار ، الشيء الذي أصبح مستحيلا التنازل عنه بالنسبة للكثير من الموظفين الذين تصفر وجوههم وتشحب بمجرد ما أن تتعانق عقارب الساعة معلنة منتصف النهار ..فالغالبية منهم لا يستطيع تحمل الجوع إلى غاية المساء ، لذلك وبما أن جل الإدارات لم تواكب هذا التوقيت بتوفير فضاءات للأكل أو مطاعم بأثمنة مناسبة للموظفين إلا البعض منها كوزارة المالية والتجهيز مثلا ، يعمد الكثير منا إما إلى الخروج مع منتصف النهار لأكل أي شيء بسرعة من أجل سد الرمق ، أو الإتيان بالغذاء إلى الإدارة من البيت خصوصا بالنسبة للنساء اللواتي يفضلن تهييء وجبة "نظيفة" بأنفسهن وكذا الموظفين البسطاء ذوي الأجور الدنيا كون دخلهم لا يسمح لهم بتحمل مصروف إضافي إلى جانب مصروف البيت..
تتناول الموظفة وجبتها مطأطاة رأسها تحت المكتب وبسرعة فائقة حتى لا يفاجأها أحد من الرؤساء أو أحد الوافدين وهي تلتهم اللقمات دون مضغ وبمجر ما تنتهي تضع يدها فوق معدتها و تتنهد بصعوبة و تتدمر وتشكو للجميع كونها لم تمضغ الأكل جيدا ولم تحس بلذته.. التهمته فقط كي
"تسكت الجوع" وكأنها أكلت سما..
مر طفيلي بقوم يأكلون فقال لهم: ما تأكلون؟؟ فقالوا : نأكل سماا! فأجاب الطفيلي: لا خير في الحياة بعدكم!! وقام يأكل معهم …
هذي على الموظفين مساكين..!!!
Like this:
Be the first to like this post.
موضوع ممتاز جدا ومثير كما قيل قبلي ..
أتمنى على العرب والمسلمين خاصة أن نكون منفتحين متفهمين وان لا نستعجل الامور لكي لا نندم فوالله ما جربت العجلة الا ورأيتهاغ ندامة كبرى
موضوع مثير للنقاش،أنا أيضا أعاني من النحافة وذلك بسبب هذا المرض المسمى(بومزوي)،لهذا من فضلكم أطلب منكم إرشا دي إلى علاج،سواء كانت أدوية صيدلية أو أعشا ب أو أغذية و جزاكم الله خيرا